محمد بيومي مهران
159
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
آمنت ، ولكنني أطلب ذلك ليطمئن قلبي ، يعني ليزيد سكونا وطمأنينة بمظاهرة المحسوس للمعقول ، فتفضل اللّه عليه بإعطائه الدليل القائم على الحس والعيان ، لمظاهرة الدليل القائم على الحجة والبرهان « 1 » . ويقول صاحب الظلال : إنه التشوف إلى ملامسة سر الصنعة الإلهية ، وحين يجيء هذا التشوف من إبراهيم الأواه الحليم ، المؤمن الراضي الخاشع العابد القريب الخليل ، فإنه يكشف عما يختلج أحيانا من الشوق والتطلع لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين ، إنه تشوف لا يتعلق بوجود الإيمان وثباته وكماله واستقراره ، وليس طلبا للبرهان أو تقوية الإيمان ، إنما هو أمر الشوق الروحي إلى ملابسة السر الإلهي في أثناء وقوعه العملي ، ومذاق هذه التجربة في الكيان البشري مذاق آخر غير مذاق الإيمان بالغيب ، ولو كان إيمان إبراهيم الخليل ، الذي يقول لربه ، ويقول له ربه ، وليس وراء هذا إيمان ، ولا برهان للإيمان ، ولكنه أراد أن يرى يد القدرة وهي تعمل ، ليحصل على مذاق هذه الملابسة فيتروح بها ، ويتنفس في جوها ، ويعيش معها ، وهي أمر آخر غير الإيمان الذي ليس بعده أيمان « 2 » . هذا وقد اختلف المفسرون في السبب المباشر لتوجيه الخليل هذا السؤال لربه سبحانه وتعالى ، فذهب فريق إلى أن إبراهيم عليه السلام مر على دابة ميتة قد توزعتها دواب البر والبحر ، قال : « رب أرني كيف تحيي الموتى » ، وقال الحسن وعطاء الخرساني والضحاك ، فيما يروي الواحدي عن سعيد عن قتادة ، وابن جريج : كانت جيفة حمار بساحل البحر ( بحيرة طبرية في رواية عطاء ) قالوا : فرآها قد توزعتها دواب البر والبحر ، فكان إذا مدّ البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها ، فما وقع منها يقع في
--> ( 1 ) أحمد حسن الباقوري : مع القرآن - القاهرة 1970 ص 197 - 198 . ( 2 ) في ظلال القرآن 1 / 301 - 302 .